ثقافة الاعتذار وأدب الاختلاف أخلاقيات غائبة في ساحتنا الفلسطينية

20140423_223911_9175.jpg

بالرغم من أن التسامح والتعايش والتغافر هي قيم دينية ووطنية لشعب متعدد الانتماءات الفكرية والأيدولوجية، وتقود حراكه تنظيمات وأحزاب وتيارات لها قراءات وبرامج نضالية وسياسية مختلفة، وهو يعيش تحت الاحتلال ويحتاج لوحدة الصف والتئام الشمل حتى يستطيع مغالبة الأعداء وتعزيز إمكانيات مشروعه الوطني في التحرير والعودة، إلا أننا كفلسطينيين نتجاهل احدى أهم القيم المطلوب التعاطي معها لحماية شعبنا وقضيتنا، وتمتين حصانته ضد الثقافة الاستعمارية "فرق وتسعد"، ألا وهي التعايش مع الاختلاف، والوحدة مع التعدد.

إن واحدة من أهم السلوكيات التي نفتقدها في حياتنا السياسية بسبب المكابرة والعناد ونزق الساسة هي ثقافة الاعتذار وأدب الاختلاف، ومرجع ذلك – للأسف – أن الكثير من السياسيين في بلادنا اعتادوا على النفاق والعنتزة والعنتريات، وفي دماء كل واحد منهم تسري تلك الرؤية السياسية الفرعونية "ما أريكم إلا ما أرى"!! والتي تعني فيما تعنيه احتكار سبيل الرشاد.

في الحقيقة أن نفوس كثير من السياسيين داخل ساحتنا الفلسطينية لم تتعود التسليم والقبول بأنها تمتلك جزءاً من الحقيقة، وأن لدى الأطراف الأخرى أيضاً نصيباً منها.. عاشت أفهامنا وتغذت على معتقدات خاطئة، تلخصها تلك العبارة: "أنا الحقيقة، والحقية أنا.. أنا سبيل الحق، والآخر في ضلال سياسي مبين"!!

ما أحوجنا أن نتفهم اليوم بأن الاعتذار هو لغة الكبار، وهو فضيلة معتبرة بين الشعوب والأمم، وهو قيمة إنسانية وحضارية راقية، وهو المدخل لتحقيق الأمن والأمان والسلامة والاستقرار.

إن إدارة الخلاف بحكمة وأدب الموطئين أكنافاً، واحتضان الآخر واستيعابه، هي من أخلاقيات الدين ومفرداته الحيَّة، ومشاهدات التعايش بين المهاجرين والأنصار لتدبير أمر واقعهم الجديد في دولة المدينة هو خير دليل على ذلك.

إن من القراءات والتحليلات السياسية التي لا يختلف عليها الكثير من الناس هو أن الإسلاميين وحركة حماس تعرضت لحملة استهداف ظالمة، لإجهاض كسبها الانتخابي، وحرمانها من ممارسة حقها في مشهد الحكم والسياسة بالشكل الذي يُمكِّنها من تطبيق برنامجها السياسي، وتحقيق رؤيتها في إطار الشراكة التي عرضتها على الآخرين، كما جاء في وثيقة التوافق الوطني لعام 2006.

لا يمكننا كذلك ومن باب الإنصاف والعدل لمظالم المشهد السياسي في ذلك الوقت أننا أخفقنا في إيجاد صيغة سياسية تمكننا من التعايش والتكيف، والحفاظ على تضحيات شعبنا، وأننا جميعاً فقدنا بوصلتنا الوطنية، وانشغلنا في تثبيت أركان وجودنا باعتبار أننا الأول والآخر!! وفي زحمة هذا التنافس على (الأنا الحزبية) وقعت الواقعة وانهار البنيان، وخسرنا كل شيء، لنبدأ المشوار من الصفر ولكن بخطوات عاثرة ومنهكة وبلا خارطة طريق.

الاعتذار: الكلمة والمدخل

كما سبق وأن قلنا منذ عدة سنوات، إن حجم الكارثة والمحنة الوطنية التي وقعت في حزيران 2007، تستدعي من الجميع تحمل المسئولية وتقديم الاعتذار لشعبنا الفلسطيني، ولكل الذين سقطوا وكانوا الضحايا في أتون ذلك الصراع الدامي، حيث خسرنا المئات من الشهداء ومثلهم من المصابين والجرحى من أبناء شعبنا الفلسطيني..

لقد تركت تلك الأحداث المأساوية ندوباً وأخاديد في طريق مسيرتنا النضالية، دفعنا جميعاً ثمنها، وعلينا اليوم أن نتحمل غائلة تبعاتها، وسوء تقديرنا جميعاً للعواقب والتداعيات.

إن الاعتذار هو فضيلة راقية وقيمة حضارية وسلوك إنساني عظيم، وقد سادت ثقافات الشعوب التي عاشت حالات احتلالية أو واقع استبدادي هذه القيمة، وأعانتها على التحرر والاستقرار والإصلاح والتغيير، وأسهمت في إصلاح ذات البين بين مواطني الدولة الواحدة، وقد شاهدنا ذلك في المصالحات والاعتذارات التي جرت في دول مثل جنوب أفريقيا وتشيلي، وأيضاً في إيرلندا ورواندا والجزائر والمغرب، في سياق ما يسمى بالعدالة الانتقالية.

نحن اليوم في أشد الحاجة لمثل هذه الخطوات للإصلاح وجبر الضرر، الذي لحق بنا جميعاً.. نحن كفلسطينيين؛ ساسة وقيادات حزبية وحركية، مطلوب منا التعجيل بهذا الاعتذار، لاستنقاذ ما يمكن استنقاذه، حيث بلغت مآسينا الطُبيين، وأوشكت الخلافات أن تودي بنا جميعاً إلى المهالك وعظائم الأمور.

ربنا افتح بيننا وبين إخواننا بالحق وأنت خير الفاتحين.

مواضيع ذات صلة