القدس بين «الحنجوريين» و«الخائفين»

20374589_1671797869563774_3738601557363958007_n.jpg

أيهما أفضل: أن تصرخ ضد إسرائيل بلغة عنترية فقط، وتهدد وتتوعد «العدو الصهيونى» فى وسائل الإعلام، لكنك تظل تقيم علاقات دبلوماسية وعسكرية معه على أرض الواقع، أم أن تستثمر هذه العلاقات مع هذا العدو لتخفف قدر الإمكان من معاناة الشعب الفلسطينى الذى يدفع فاتورة أسوأ احتلال عرفه العالم ربما على مر التاريخ؟!.

لو كان الأمر بيدى لتمنيت خيارا ثالثا مختلفا، خلاصته بناء موقف عربى موحد يدفع العدو إلى إنهاء احتلاله لأرضنا العربية عبر استراتيجية مواجهة شاملة لا تقتصر فقط على الجانب العسكرى.

مناسبة السؤال السابق هو الجدل الذى شهده الشارع السياسى ووسائل الإعلام العربية على خلفية العدوان الصهيونى الغاشم على القدس الشرقية المحتلة ومحاولته فرض قواعد جديدة بشأن المسجد الأقصى خلال الأسبوعين الماضيين.

من حسن الحظ أن الشعب الفلسطينى خصوصا المقدسيين سطروا بطولات ومواقف مشرقة أجهضت الأحلام الإسرائيلية، لكن دولا عربية وإسلامية كثيرة، زعم كل منها أنه لعب دور البطولة فى انجاز هذه النهاية السعيدة للقصة.

فى المجمل كان هناك أكثر من موقف عربى وإسلامى رسمى. الأول تمثله تركيا وقطر وخلفهما جماعة الإخوان. وعبر وسائل إعلام هذا المحور سمعنا أحدث ما وصلت إليه «اللغة الحنجورية» من تضامن مع الفلسطينيين، وتهديدات لإسرائيل، لكن بلا أفعال على الأرض. تركيا تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل بعيدا عن «بطولات وملاسنات الإعلام»، والتعاون بينهما فى مجالات كثيرة. وإذا كان أردوغان جادا فى انحيازه للشعب الفلسطينى، فليقطع علاقته فورا مع إسرائيل، وإذا كان يريد فعلا أن يكون خليفة للمسلمين فليبدأ بتحريرالقدس، وأن يتوقف فورا عن ممارسة «دور دكتور جيكل ومستر هايد».

ونفس الأمر ينطبق على قطر، التى تقول حكومتها إنها تناصر الفلسطينيين وحركة حماس.. على الدوحة إذا كانت جادة فى نصرة القدس والأقصى، أن تقطع علاقتها مع «الشيطان الأكبر» أى أمريكا، التى لولاها لانتهت إسرائيل فورا من الوجود.

المحور الثانى: تمثله غالبية الدول العربية بما فيها مصر والأردن وغالبية بلدان الخليج. هذا المحور يقول إنه بذل جهودا جبارة لإقناع واشنطن وتل أبيب بوقف التصعيد فى القدس مستغلا علاقته مع تل أبيب. والحقيقة المرة أن إسرائيل أقدمت على جرائمها فى القدس حينما أيقنت أن هذه البلدان لن تتحرك لمنعها من محاولة فرض قواعدها الجديدة فى الأقصى. والمفاجأة أن الجنرال عاموس يدلين المسئول السابق فى الجيش الإسرائيلى، قال إن القادة العرب خافوا من اندلاع انتفاضات ضدهم فى بلدانهم، فسارعوا بالتدخل كى توقف إسرائيل إجراءاتها.

وهناك محور ثالث يتحدث بلغة متشددة جدا لكنه منشغل أكثر بهمومه الداخلية مثل سوريا والعراق اللذين يواجهان إرهابا ظلاميا داميا، ومع هذا المحور تأتى إيران التى لا تختلف كثيرا عما تفعله تركيا. فهى التى اخترعت تعبير «الشيطان الأصغر» أى إسرائىل و«الشيطان الأكبر» أى أمريكا، وأنشأت «جيش القدس»، الذى لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه القدس حتى الآن، وتفرغ هو والحرس الثورى للمعارك الطائفية فى سوريا والعراق واليمن!.

إذًا نحن بصدد حكومات عربية وإسلامية شبه عاجزة. بعضها يحارب بالكلام والتصريحات العنترية فقط، وبعضها بتحركات خجولة لم تعد حتى قادرة على إطلاق التصريحات والإدانات والشجب التقليدى. ولدينا أيضا قوى وحركات وتنظيمات تدعى أنها إسلامية وثورية وجهادية لكنها تحارب مجتمعاتها، وليس إسرائيل.

أليس غريبا أن تنظيما يطلق على نفسه «أنصار بيت المقدس» يضل الطريق وينسى أن عدوه فى الشمال فى فلسطين المحتلة وليس جنوبا ضد الجيش المصرى؟!! ولم نسمع له صوتا أثناء منع الصلاة والأذان طوال أسبوعين بالمسجد الاقصى.

ونفس الأمر فى سوريا.. فإن ما يسمى بـ«تنظيم الدولة الإسلامية» يكاد يرى جنود الاحتلال فى الجولان على بعد خطوات منهم، لكنهم يقاتلون جنود الجيش السورى فقط، منفذين ما لم تحلم به إسرائيل. وهو ما ينطبق على تنظيم القاعدة وبقية التنظيمات الأخرى.

من حسن الحظ أن الشعب الفلسطينى وعلى الرغم من الانقسام الكارثى بين الضفة وغزة أو فتح وحماس فإنه ضرب مثالا مبهرا فى الصمود. الأمر الذى أفشل خطط الاحتلال مؤقتا. وبالتالى فإن هذا الشعب الصابر، غطى على فضيحة التنظيمات الإرهابية والحكومات والأنظمة العربية، سواء التى تحارب طواحين الهواء أو تلك التى تكتفى بالدبلوماسية السرية.

مواضيع ذات صلة