الشرعية .. ورقة عباس وحماس في صراع التمثيل الفلسطيني

1280x960.jpg

الساعة الثامنة - خاص

"الشرعية" هي الرئة التي تمد محمود عباس بأكسجين الحياة، ليمارس دوره السياسي في قيادته للسلطة والمنظمة ومناصبه الأخرى، وأيضا في مواجهة خصومه السياسيين خاصة حركة حماس.

ظلت فتح تحكم منفردة، تتنعم بمكتسبات السلطة وحيدة، لا ينازعها أحد، حتى ظهرت حماس كقوة سياسة ممثلة للفلسطينيين بفوزنها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي عام 2006.

فوز حماس

كان الفوز مفاجئا، وصفه القائد الفتحاوي الراحل أبو علي شاهين ب"تسونامي سياسي" له ما بعده، وبنظرة إسرائيلية فإن فتح انهارت أمام حماس " كبرج من ورق".

انقلبت فتح على نتائج الانتخابات، وضعت العصي في دواليب العمل الحكومي الذي قادته حماس بقوة القانون، إلى أن وصلت المعارك السياسية إلى نقطة فاصلة فيما عرف بأحداث 2007 وسيطرة حماس على قطاع غزة.

أصدر عباس وقتها قرارا بحل حكومة إسماعيل هنية وأحال صلاحيات سن القوانين إليه في تغييب واضح لدور المجلس التشريعي والذي يمثل شرعية حماس السياسية في مواجهة شرعية الرئاسة وحركة فتح.

والتشريعي في القانون الفلسطيني، سيد نفسه لا يحل إلا نفسه، وهو أعلى سلطة تشريعية ورقابية، بإمكانه إقالة الرئيس، والحكومة وأي وزير، بالأغلبية المريحة التي في يد حماس، وفي حال تغيب الرئيس أو استقال لظروف معينة، يحل رئيس التشريعي محله إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

حرص عباس على الظهور بمظهر ممثل الفلسطينيين جميعا في تحركاته السياسية الإقليمية والدولية، وأنه يتحكم بمقاليد الأمور في غزة الخارجة عن طوعه واقعا، حتى إسرائيل وجدت في الانقسام نقيصة للضرب على وتر شرعية عباس، خاصة في تحركاته التي لا تطيب لها.

في الصراع الداخلي بين حماس وفتح، لعبت حماس كثيرا على وتر "الشرعية"، فهي بمثابة خاصرة عباس الضعيفة.

ويقول رئيس المجلس التشريعي بالإنابة أحمد بحر، إن محمود عباس قد انتهت ولايته القانونية والدستورية منذ الأول من يناير من العام 2009م، وهو بمثابة مغتصب للسلطة منذ ذلك الحين".

وأوضح بحر مرارا وفق القانون: أن رئيس المجلس التشريعي د. عزيز دويك، يحل محل رئيس السلطة في حالة وفاته أو استقالته أو شغور المنصب لسبب أو أخر".

لكن هذه التراشقات الإعلامية حول الشرعية، قد لا تزعج عباس كثيرا، فهي لا ترتقي إلى فعل قد يزيح عباس عن المشهد، فهو الذي يستقوي بالأعداء والحلفاء لخنق حماس في غزة.

احياء المنظمة بعد موات

غير أن ما يقلق عباس وحركة فتح، هو الاعتراف بحماس والسماح لها بالعمل على الساحة العربية والإقليمية والدولية، ما يعني أن التمثيل الفلسطيني في الخارج قد يتعرض للاختراق، ليس بالضرورة على المستوى الرسمي، إنما على مستوى التواجد الفلسطيني في الشتات.

هذا القلق، دفع فتح إلى استحضار المنظمة والمجلس الوطني كممثل ومقرر بالقضايا الوطنية، وقد كانتا قبل ذلك في عداد الموتى، وتماطل فتح في اجراء انتخابات تعيد لهما الحياة من جديد، بحيث يشملا الكل الفلسطيني.

وحصلت المنظمة في القمة العربية التي عقدت في الرباط عام 1974 على اعتراف عربي شامل بأن "منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني". وهو ما ساعدها لاحقا على أخذ مقعد "مراقب" في الأمم المتحدة، ومن ثم دولة غير عضو.

والمنظمة هي التي أنشأت السلطة الفلسطينية، التي بدورها تمثل الداخل، فيما تعد المنظمة "الأم" أعلى مرجعية للفلسطينيين جميعا في الداخل والخارج.

جاء المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج في اسطنبول في يومي 25 و26 شباط/فبراير 2017، قارعا لجدار الخزان الفتحاوي، فبقدر ما حاز على رضا شعبي واسع، أثار حنقاً مضاعفاً من قِبَل السلطة الفلسطينية في رام الله.

وقد اعتبرته مؤامرة انقسامية تهيئ لتمس تمثيل (م.ت.ف) للشعب الفلسطيني، ووصفه مستشار الرئاسة محمود الهباش بأنه مؤتمر الشياطين مؤكدا رفضه خلق عناوين بديلة للمنظمة. وقال: "العنوان هنا. كله هنا (رام الله)، ومن أراد أن يتكلم باسم فلسطين والقدس فالعنوان معروف".

ويقول الناطق باسم حركة فتح، أسامة القواسمي، إن "للشعب الفلسطيني ممثلا شرعيا واحدا ووحيدا هو منظمة التحرير الفلسطينية".

معارك التمثيل

وهذه ليست أول معركة من نوعها على التمثيل الفلسطيني؛ فقد اندلعت معارك أخرى في وقت سابق مع حماس ومع دول عربية كانت تتعامل مع حماس بصفتها جهة ممثلة للفلسطينيين، وهو ما اغضب منظمة التحرير التي طالما عرّفت نفسها بممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني منذ نشأتها عام 1964.

تقارب حماس مع القيادي الفتحاوي محمد دحلان بما له من تأثير كبير داخل فتح، كان مقلقا أيضا لعباس في ظل الحديث عن طبخة سياسية جديدة تتجاوزه ويكون لدحلان دورا فيها.

هذا التقارب أفضى إلى ترميم العلاقة مع مصر التي ظلت حتى وقت قريبة يدا غليظة في احكام حصار غزة وحماس بمنع تواصلها السياسي الجغرافي.

وسمحت مصر، باجتماع مكتب حماس السياسي في الداخل والخارج، لأول مرة منذ انتخاب إسماعيل هنية رئيسا لحماس خلفا لخالد مشغل.

وتوافقت مصر وحماس على جملة من الإجراءات للتخفيف من معاناة الفلسطينية في غزة وضبط الحدود.

ومن أهم ما أفرزته حوارات حماس مع مصر، هو موافقة الأخيرة على فتح مكتب تمثيلي للحركة لمتابعة تنفيذ ما اتفق عليه يديره القائد المحرر روحي مشتهي الذي انتقل مع أسرته للسكن هناك.

ويمثل هذا تحدي جديد لحركة فتح على التمثيل الفلسطيني في الخارج وهي التي تسيطر على سفارات السلطة في أماكن تواجدها حول العالم.

زيارة القيادي في حماس موسى أبو مرزوق الأخيرة إلى روسيا على رأس وفد، وما أثاره الاعلام حول ظهور ممثل لحماس في موسكو، أخرج فتح عن صمتها التي التزمته تجاه القرار المصري باعتمام مكتب لحماس وإن كان بصفة إغاثية.

ونقلت صحيفة الحياة المقربة من السلطة، عن مصدر مسؤول قوله إن بيان حماس  (الذي تحدث عن تعيين الحركة ممثلا لها في موسكو عقب زيارة وفدها لروسيا قبل أيام)، ليس صحيحا، مؤكدا أن موسكو لا تقبل أن يوجد على أرضها ممثل فلسطيني عدا سفارة دولة فلسطين، وأنها كدولة لا تتعامل مع أي حزب أو فصيل فلسطيني.

وكشف المصدر، أن الشخص الذي ادعت حماس أنه ممثلها في روسيا، هو رجل أعمال يدعى أبو عصام، مشددا على أن الدولة الروسية لا تقبل التعامل معه، كما لا يوجد له أو لحركته مكتب في موسكو.

المعلومات التي حصلت عليها الساعة الثامنة، تشير إلى أن الرجل المذكور موجود منذ ثماني سنوات في روسيا.

وبالعودة إلى علاقة حماس مع نظام الأسد قبل الثورة عليه، فقد تمتعت الحركة بامتيازات من الدعم والاحتضان وسهولة الحركة والاتصال، كان الأمر يوصف "دولة حماس داخل سوريا"، لم يرق هذا للسلطة التي توترت علاقاتها مع الأسد على الرغم من وجود سفارة لها.

وما أن تحللت حماس من علاقتها مع النظام لتأييدها للثورة قبل خمس سنوات، تحسنت معه في المقابل العلاقة مع السلطة.

ويرى الكاتب الفلسطيني المعروف عبد الباري عطوان أن "الشرعيّة" ما زالت ورقة الرئيس محمود عباس الأقوى، ولكنها شرعيّة تتآكل بسرعة بسبب تآكل قاعدتها الأساسيّة، وهي اتفاقات أوسلو، (تعيش ذكراها الرابعة والعشرين حاليًّا)، وتَغوّل الاستيطان الإسرائيلي، وانحسار الدّعم الشّعبي، وتحويلها، أي السلطة، رهينة الصّدقات الماليّة الدوليّة المَسمومة.

وتشير أحدث استطلاعات الرأي (نشرت نتائجها صحيفة الغارديان البريطانية الرّصينة) تقول إنه لو جَرت انتخابات اليوم لفازت بها حركة حماس في الضفّة والقِطاع معًا".

 "ولكن من يُقنع الرئيس عباس ولجنته المركزيّة بهذهِ المَعلومة الصّادمة، ويَدفعه إلى الاعتراف بهذهِ الحقيقةِ، وإجراء نَقدٍ ذاتيٍّ ومُراجعات". والحديث لعطوان.

مواضيع ذات صلة