حينما بكى الجعبري..

ماذا قالوا عن "قائد أركان المقاومة"؟

الجعبري.JPG

الساعة الثامنة - ياسر أبو عويمر

لا تُذكر صفقة "وفاء الأحرار" إلا ويُذكر معها الشهيد أحمد الجعبري، كيف لا وقد كان هو مهندسها، وهو الحر الذي وعد بتحرير الأسرى، ولم يهدأ له بال حتى أوفى بوعده قبل أن يلقى ربه شهيداً، "فوعد الحر دَين".

حمل على عاتقه همّ تحرير الأرض والإنسان، وتوعد يمينه بالشلل إن نسي الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حين قال: "شُلّت أيماننا إن نسينا أسرانا"، وما انفك يعمل ليل نهار في سبيل تطوير كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح المسلح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، فكان وفيّا لمقولته: "ما دام الصهاينة يحتلون أرضنا الفلسطينية فليس لهم سوى الموت أو الرحيل عنها".

حينما بكى الجعبري؟

روت الأسيرة المحررة أحلام التميمي، قصة أول لقاء لها بالشهيد أحمد الجعبري، عند خروجها من سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وفي تفاصيلها قالت التميمي: "عندما كنّا في الباص، وكنا نسير في الأراضي المصرية، قالوا لنا بأن هناك مفاجأة لكم،، وبينما نحن ننتظر، تساءلنا، ما هي المفاجأة التي ستكون لأسرى خرجوا الآن من سجون السجن ويسيرون في شوارع مصر؟".

وتضيف التميمي: "تفاجأنا بأن الباص وقف لنصف دقيقة تقريباً، ليدخل علينا أبو محمد الجعبري".

وخلال حديثها، خانتها الدموع ولم تستطع حبسها، فقالت وهي تبكي: "كان موقفاً رائعاً، أن تشاهد إنساناً، ضحى بحياته من أجل أن تكون أنت حراً خارج السجون".

وأكملت التميمي "بكى حينها الجعبري، واستقبلنا بالدموع، وبدأ يحتضن بالأسرى واحداً تلو الآخر، حتى وصل إليّ، وقف أمامي وقال لي وهو يبكي: الآن تحقق حلمي يا أحلام بخروجك".

وقالت أحلام التميمي بغرابة "أن تصل إلى مرحلة تكون أنت حلم إنسان، وتكون حريتك شيء لا يجعله ينام ولا يأكل، وتكون أنت مشروعه الأساسي".

قالوا عنه

لم يكن وقع نبأ استشهاد القائد أحمد الجعبري، سهلاً على أبنائه ومحبيه، رغم أنهم كانوا يتوقعون سماعه في أي لحظة، كونه كان على رأس قائمة المطلوبين لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

يقول نجله مؤمن الجعبري (19 عاماً) لـ"الجزيرة" إن اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاد والده كانت تشير إلى أنه يستعد لملاقاة ربه، بعدما انتهى من تحقيق أمنيتين كان دائم الشوق لتحقيقهما وهما: أن تقر عينه برؤية الأسرى محررين، والحج إلى بيت الله الحرام، وهو ما تحقق له قبل استشهاده.

وأضاف أنه بعد عودته من الحج كان يفضل التقرب من الناس، وكان حديثه مع الأهل والناس والأقارب ونظراته توحي بأنه كان يودع الدنيا، وقال: "تلك التصرفات لم تلفت انتباهنا إلا بعد استشهاده".

وتابع "طلب مني قبل استشهاده أن أسلم بعض الأمانات والديون لأصحابها، وأوصاني بالانتباه لأخوتي وأحثهم على الصلاة بالمسجد والتشبث بالجهاد والمقاومة".

وقال مؤمن: إن والده "يملك حساً أمنياً عالياً لدى تحركه من مكان إلى آخر، ولكن هذه المرة جاءت لحظة القدر لملاقاة ربه في ذلك اليوم الذي نالت منه طائرات الاحتلال، ليصعد شهيداً إلى الله كما كان يدعو دائماً".

وقال إن والده كان ناجحاً في إدارة شؤون الأسرة تماماً كما هو ناجح كقائد عسكري، "فكثيراً ما يخاطر بنفسه لمتابعة شؤون أولاده الحياتية ويحثهم باستمرار على الصلاة في المساجد والاهتمام ببعضهم البعض"، وأضاف "رغم أنه كان شديداً على أعدائنا فإنه كان متواضعاً ولين القلب يعتمد على النصح في توجيهنا ومعاملتنا كأصدقاء له".

أما نجله معاذ (17 عاماً) فذكر أن رجلاً رافق والده في مناسك الحج، أبلغه بأن والده كان يدعو بين الفينة والأخرى لدى تأدية المناسك أن يرزقه الله الشهادة في سبيله.

وكشف معاذ أن والده كان يشارك في كثير من الاحتفالات والمهرجانات الجماهيرية الشعبية، ولكن بعيداً عن كاميرات الإعلام أو الصفوف الأولى أو المنصات، وإنما في الصفوف الأخيرة التي لا تلتفت إليها أنظار الناس.

ونقل موقع "القسام" عن مقربين من الشهيد الجعبري، قولهم: "إنه كان يتمتع بشخصية قوية وصاحب فكر وثقافة واسعة وشاملة للإسلام وللقضية الفلسطينية، وكان يجيد اللغة العبرية بطلاقة، وصاحب علاقات كبيرة ووثيقة مع كافة التنظيمات الفلسطينية المختلفة.

وأضاف أنه "هو من كان يقود المفاوضات غير المباشرة حول الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، بالإضافة إلى ثلاثة قادة آخرين، وأنه كان حاسمًا في ذلك الأمر ولم تؤثر عليه أي ضغوط خارجية".

وأشار إلى أنه كان عنيدًا جدّاً في انتزاع حقوق الأسرى خلال المفاوضات مع إدارة السجون، وكان صعبًا جدّاً في التفاوض على "ملعقة" يطلب دخولها للأسير وهو معتقل، ويرفض التنازل عنها فما بالك حينما يتفاوض على حرية أسرى أمضوا سنوات في سجون الاحتلال وبيده جنديٌّ صهيوني وهو خارج المعتقل وتحت إمرته الآلاف من المقاتلين المدربين والمجهزين جيدًا". بحسب المقربين منه.

وتحدث قادة حركة حماس عن الجعبري، حيث وصفه عضو المكتب السياسي للحركة، موسى أبو مرزوق بأنه "البطل القائد الكبير"، في حين قال عنه الناطق باسم حماس، فوزي برهوم بأنه "هو من طور كتائب القسام وبنى بنيةً حقيقية للقسام في الضفة الغربية قبل أن تقوم السلطة الفلسطينية بتصفية المقاومة في الضفة".

أما القيادي في حركة حماس غازي حمد فقال: "إن اغتيال الجعبري، خسارة كبيرة لحماس وللشعب الفلسطيني".

وأضاف حمد الذي كانت تربطه علاقة جيدة مع الجعبري بأنه "شجاع ومتواضع وصلب في مواقفه ونذر حياته لمقاومة الاحتلال التي يتبناها كخيار للتحرير".

وبين حمد أن الجعبري "ذو شخصية حذرة جداً في تحركاته وتنقله وحريص جداً على عدم الظهور في المناسبات والمحافل المختلفة".

قالت عنه إسرائيل

كثر الحديث عن الجعبري بعد أسر الجندي جلعاد شاليط في 25 حزيران (يونيو) 2006، وبدأت إسرائيل تحمله المسؤولية عن ذلك دون أن يظهر هو في أي مكان أو يصدر عنه أي تصريح.

واعترفت إسرائيل بأنها أخفقت خلال العدوان على غزة عام 2008، من تصفية الجعبري، وذلك على الرغم من رصده في أكثر من مكان حسب ادعائها، وأنها على يقين أنه الرجل الوحيد الذي كان يتحكم بمصير شاليط.

واتهمت إسرائيل الجعبري بالمسؤولية عن تخطيط وتنفيذ عدد كبير من العمليات العسكرية التي نفذتها القسام ضدها، فظل المطلوب "رقم 1" لدى أجهزة مخابراتها.

وتصفه إسرائيل بأنه "كان في الوسط بين المستوى العسكري لحماس والمستوى السياسي لها"، وأسمته بـ"رئيس أركان حماس".

 

واغتال الاحتلال الإسرائيلي مساء يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 القائد في كتائب القسام، أحمد الجعبري بغارة جوية استهدفت سيارته بالقرب من مجمع الخدمة العامة بمدينة غزة، وذلك بعد أسبوع فقط من عودته من مكة المكرمة حيث أدى مناسك الحج؛ وكان اغتياله مقدمة لعدوان عسكري إسرائيلي كبير على قطاع غزة دام حوالي عشرة أيام.

رحل الشهيد أحمد الجعبري، وترك خلفه إرثاً عظيما لفلسطين وشعبها ومقاومته، فكتائب القسام لازالت تسير على دربه، وبحوزتها أربعة جنود إسرائيليين، تخفيهم في صندوقها الأسود، لتحرر الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، في صفقة تبادل جديدة، كما فعلها الجعبري من قبل.

ودرس الشهيد الجعبري خلال حياته التاريخ، فدخله من أوسع أبوابه، وبقيت سيرته تُروى للأجيال في ذكرى استشهاده كل عام، ليكون رمزاً للمقاومة الفلسطينية وجنودها، الذين حملوا اللواء من بعده ويسيرون به نحو تحرير فلسطين.

مواضيع ذات صلة