"روبرت فيسك" يكتب..

التبعات المتوقعة لخطاب ترامب

التبعات المتوقعة لخطاب ترامب المرتقب

ترجمة عصام زقوت - الساعة الثامنة

هل يتوقع ترامب أن يحظى باستقبال دافئ ورقصة سيف تقليدية في الرياض؟ هل سيختار السعوديون دفع كل تلك المليارات لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة إذا ما سلم القدس للإسرائيليين؟ أشك في ذلك!

هكذا بدأ روبرت فيسك مقاله لصحيفة "الاندبندنت"، متسائلاً عما ستؤول إليه خطوة ترامب المتهورة -على حد وصفه- لإعلان القدس عاصمة "إسرائيل".

وقال "في خضم ثلاثة حروب كارثية يشهدها الشرق الأوسط، سيكون من الصعب تخيل أي شيء أكثر استفزازاً وخطورة – أو جنوناً جلياً – من نقل الأمريكيون لسفارتهم من تل أبيب إلى القدس. هذا فقط ما يفكر دونالد ترامب بفعله هذا الأسبوع".

وتابع "بصورة ما، كان علينا أن نتوقع أمراً كهذا: "فالرؤساء المجانين يمكنهم فعل أشياء غير منطقية".

وتساءل الكاتب الضالع بقضايا الشرق الأوسط "ألا يوجد في البيت الأبيض من هو قادر على كبحه؟ ولا حتى جاريد كوشنر، الذي من المفترض أن يكون يد ترامب في الشرق الأوسط؟ أم أن كوشنر ما زال منشغلاً في فضيحته الأخيرة التي كشفت عنها مجلة "نيوز ويك" وأظهرت فشله في الكشف عن دوره كمدير مشارك لمؤسسة تمول المستوطنات اليهودية غير القانونية في الضفة الغربية عندما قدّم سجلات مالية لمكتب الأخلاقيات الحكومي هذا العام، هل يجرؤ على الحديث؟".

ورأى أن نقل السفارة لا يعد خطوة رمزية بحد ذاته، لكنه يعني أن الولايات المتحدة ستعترف أن مدينة القدس -التي تعد معلماً مقدساً بالنسبة للمسلمين والمسيحيين واليهود- هي عاصمة "إسرائيل"، وأن الفلسطينيين لا يمكنهم المشاركة فيها على الإطلاق.

إن "عملية السلام" التي تخلى عنها الاسرائيليون وبعدهم الفلسطينيون وكذلك الأمريكيون خلال السنوات الماضية، بالرغم من أن "رجال الدولة" ما زالوا يتحدثون عن ذلك في عالم الأحلام الذي يعيشون فيه- الذي لم يعد موجوداً حتى في الخيال، الأمر الذي دفع الجميع، من ماكرون إلى أردوغان ومن السعوديين إلى الأوروبيين، وبلا شك الفلسطينيون المغلوبون على أمرهم، إلى إدانة قرار ترامب المحتمل، بحسب "فيسك".

وبرأيه فإن لم يوقع ترامب على تنازله القديم- الذي يتم تجديده كل ستة شهور- فإن خطوة نقل السفارة متروكة للقانون الأمريكي- وعندها سيكون بالإمكان الاستشهاد بأن القيادة الفلسطينية تتعرض لصراع "عرقي".

وتساءل فيسك "ألا يوجد في الشرق الأوسط حروب كافية لإبقاء البيت الأبيض الذي يعاني من الجنون مشغولا؟".

ورأى الكاتب أن ترامب استطاع قبل ذلك أن يجر الجانب السني إلى مربع الصراع السني الشيعي- لكنه الآن يخاطر بتسخين جبهة غضب جديدة سينصهر فيها السنة والشيعة سويا.

وتابع "العرب كلهم يعلمون -ويتفق في ذلك كثير من الإسرائيليين- أن الرئيس ترامب شخص مجنون. لكن تداعيات نقل السفارة أو موافقة ترامب بأن تكون القدس عاصمة "إسرائيل" ستكون هائلة".

إن ذلك من شأنه أن يبعث برسالة إلى العرب، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، أن ثاني أقدس بقعة بالنسبة لهم أصبحت ملكاً لليهود في "إسرائيل" وليس لهم. وكذلك سوف تبعث بذات الرسالة إلى الإيرانيين. الأمر سيعني نفس الشيء لجميع دول العالم الإسلامي.

هل يتوقع ترامب أن يحظى باستقبال دافئ ورقصة سيف تقليدية في الرياض؟ هل سيختار السعوديون شراء كل تلك المليارات من الأسلحة من الولايات المتحدة إذا ما سلم القدس للإسرائيليين؟ فالمسلمون يؤمنون بأن النبي ولد في شبه الجزيرة العربية وعُرج به من القدس إلى السماء.

ويضيف روبرت فيسك: في الغرب، ستساهم خطوة ترامب في تمزيق العلاقات بين واشنطن والاتحاد الأوروبي وسوف تساهم أيضا في تدمير العلاقات الكندية الأمريكية، فبالنسبة "لأوتاوا" التي لن تسير بالتأكيد على نهج واشنطن، وكذلك الاتحاد الأوروبي، هم يؤمنون "بعملية السلام" المشهورة، وبالتأكيد لن يردوا بنقل سفاراتهم إلى القدس.

"بنيامين نتانياهو" وحكومته اليمينية ستكون سعيدة بالتأكيد، لأنها ستطلق العنان من جديد للتوسع الاستيطاني وضم أراضي جديدة للمستوطنات اليهودية، التي ما زلنا نسميها بصورة شاذة "مستوطنات" على أرض عربية، لطالما فاقمت من معاناة الفلسطينيين. فمنذ سنوات طويلة والإسرائيليون يسرقون الأراضي من أصحابها العرب الشرعيين. لكن ترامب سيجردهم حتى من الأمل بالحصول على دولة في القدس الشرقية.

كيف سيرد الفلسطينيون القابعون في مخيمات اللجوء في لبنان؟ في الوقت الذي لا يخلو فيه بيت فلسطيني من صورة للمسجد الأقصى معلقة على جدرانه. كيف سيرد حزب الله؟ هل سيكتفون بالكلام فقط؟ أم أنهم سيردون بإطلاق بعض الصواريخ نحو الحدود الاسرائيلية اللبنانية للتعبير عن غضبهم؟

الروس أيضاً، الحليف الأكبر لنظام بشار الأسد الذي يعتبر نفسه حامل لواء معركة "تحرير القدس"، بالكاد سيسمحون بمرور هذه اللحظة دون الاصطفاف إلى جانب العرب. سيبيعونهم السفن الحربية والطائرات المقاتلة والصواريخ التي ما زالوا حتى يومنا هذا يشترونها من الأمريكيين.

سيتحقق الحلم الاسرائيلي إذا ما أعلن ترامب القدس عاصمة لـ"إسرائيل"، لكنه سيتحول إلى كابوس عربي في نفس الوقت. على الأقل إذا ما بقيت القدس موضوعاً للتفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين فإن الفلسطينيين في الضفة الغربية سيؤمنون بفقدان الأمل بالحصول على نصيبهم في المدينة. لكن إذا ما مضى ترامب قدما، فعندها لن يكون بمقدور الأمريكيين التوصل إلى "عملية سلام" أخرى ولو حتى في الخيال.

واختتم مقالته قائلًا "أقل ما سيقوله العالم عن الولايات المتحدة، هو أنها ارتكبت "خطأ فادح" إن لم يتراجع ترامب عن خطوته".

مواضيع ذات صلة